بركة الصلاة على رسول الله صلى ...  آخر مشاركة: حلم مطر    <::>    برنامج المحادثات الشهير Skype ...  آخر مشاركة: مها الغنيمى    <::>    مكالمات مجانية : احصل على 180 ...  آخر مشاركة: مها الغنيمى    <::>    أغلى 10 قطع مجوهرات فى العالم  آخر مشاركة: مها الغنيمى    <::>    أذن وسمع رسول الله صلى الله عل...  آخر مشاركة: حلم مطر    <::>    الهجرة ومراجعة النفس ومحاسبتها  آخر مشاركة: حلم مطر    <::>    هجرة سوءات اللسان  آخر مشاركة: حلم مطر    <::>    أدوات النصر والتمكين على النفس...  آخر مشاركة: حلم مطر    <::>    برنامج مشاهدة القنوات الفضائيه...  آخر مشاركة: حنين راشد    <::>    عمر بن عبد العزيز العبقرية الا...  آخر مشاركة: حلم مطر    <::>   

 

 
                                                                                       
                       

           بحث عن:                                    

           
           
Google
 
   
تم دعم المنتدى بـ     Tapatalk iphone
 


العودة   دوح البيان > ظِلالُ الدَّوح > الدَّوحَةُ المَفتوحَةُ
الدَّوحَةُ المَفتوحَةُ دَوْحَةٌ يَتبادَلُ من خِلالِها الأعْضَاءُ مواضيعَ متنوعةً ونقاشاتٍ جادةً.

إضافة رد
 
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
قديم 1432-3-17, 04:04 مساء   #1
وفاء الزعاقي
مُشْرِفَةٌ عِلْمِيَّةٌ
 
تاريخ التسجيل: Feb 2011
المشاركات: 25
المستوى: آخر
الفرع: آخر
افتراضي وسطية القرآن الكريم في إصلاح السلوك الإنساني

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد
تدور جميع الأبحاث الإنسانية على مختلف تخصصاتها وتوجهات وقيمها حول الإنسان وسبل الارتقاء بسلوكه .. فلا خلاف في إن صلاح الحياة على الأرض مرتهن بصلاح الإنسان ذاته وصلاح سلوكه. وهذا ما يفهم من قوله تعالى : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } [البقرة : 30] وقال تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } [هود : 61] وقوله تعالى : {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) } [الجاثية : 13] فالأرض بمخلوقاتها العظيمة ، وكائناتها العجيبة، وتضاريسها المتباينة ، مسخرة للإنسان يستحلب خيرها، ويقيم حياة كريمة تليق به وبوظيفته التي أعده الله تعالى لها. ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور)
إلا إن المعضلة الكبرى تكمن في منهج إصلاح الإنسان وتهذيب طبعه والارتقاء بسلوكه ففي ذلك قدمت النظريات الفلسفية، وتعددت المدارس النفسية ، وتنوعت المناهج التربوية على مدار تاريخ الإنسان.. ولكن كل هذه الجهود وإن كانت لا تخلو من خير لكنها تفتقر إلى الشمولية والتوازن والثبات والموضوعية في جميع حياة الإنسان وحاجاته المادية والمعنوية. ومن هنا كانت رحمة الله تعالى بعباده أن أنزل عليهم القرآن الكريم كتاب هداية ورشاد، فقد تضمن المنهج الوسطي بين سائر المناهج السماوية والأرضية لإصلاح سلوك الإنسان فكان أعظم مقصد للقرآن صلاح الإنسان في أحواله كلها الشخصية والاجتماعية والعالمية بل والكونية.
ونظرا لأن واقع القرآن مكون من سور ذات مقطع ومطلع، ولكل سورة موضوعها أحببنا استعراض وسطية القرآن في إصلاح السلوك الإنساني من خلال سورة الإسراء. من خلال العناصر التالية:
أولا : الوسطيَّة من خلال الحديث عن طبيعة خلق الإنسان .
لقد تمثلت وسطيَّة القرآن في توجيه السلوك أن بدأ أولا بتعريف الإنسان بماهيته حتى يقف الإنسان على خصائص خلقه ويدرك سمات تلك الخصائص ويحلل محتواها ليتمكن من حسن التعامل مع تلك الخصائص بما يحقق التوازن في الحياة. فقال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61) } [الإسراء : 61 ، 62]
فالله تعالى خلق جسد الإنسان من طين وهو التراب والماء المختلط. وللتراب صفات متنوعة وألوان مختلفة يعرف دقائقها المزارعون وعلماء التربة . وقد انعكست هذه الصفات على شخصية الإنسان بل أثرت حتى في شكله الظاهر. فعن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله  : (إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض منهم الأحمر والأسود والأبيض والأصفر وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب. ) (الترمذي2955 وقال حسن صحيح). فدل هذا الحديث على أثر التربة على خلقت الإنسان وخُلقه. فإن التربة في واقعها تختلف من حيث لونها وتركيبها وطبيعتها وجودتها. وكذلك بنو آدم يتفاوتون في ألوانهم وطبائعهم وأخلاقهم . فعن أبي هريرة  عن رسول الله  قال: ( تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا..)
قال ابن عاشور : وركب ابن آدم من عنصر التراب على هيئة تجعله يستخدم آثار القوة العنصرية في الخير والصلاح والاندفاع إلى ازدياد الكمال بمحض الاختيار والنظر، حسب ما تسمح به خصائص المادة المركب منها). وحين يختلط التراب بالماء يتكون الطين المتصف بصفات خاصة سأذكر في هذا المقال الصفة التالية وأكمل البقية في المقالات القادمة _إن شاء الله تعالى_
1.إنه مادة جامدة محسوسة.
ومن هذه المادة خلق جسد الإنسان الذي يتكون من مجموعة أجهزة لها وظائف معينة تفي بحاجات ذلك الجسد. وتلك الحاجات هي الصفات الحيوانية والدوافع المادية الأولية مثل الزواج والتناسل والأكل والشرب. وما نتج عن تلك الحاجات من صفات مادية أخرى. وهذه الحاجات جعلت لدى الإنسان ارتباطا أصيلا بالأرض كما جعلت حب الماديات والطمع فيها حاجة متجذرة في الذات الإنسانية لايمكن تجاهلها أو أهملها أو احتقارها والترفع عنها كما هو شأن بعض الفلسفات التربوية ، والعقائد الدينية المنحرفة التي ابتدعت الرهبانية ، أو سلكت طريق التصوف والتنطع في الدين باسم الزهد في الماديات . وبذلك اصطدمت مع أصل ثابت لا يمكن أن يتغير أو يتبدل. وهو حاجات الجسد المادية التي يستحيل تجاهلها أو إلغاء وجودها ، والتي ما وجدت إلا لحكمة ومصلحة عظيمة من استمرار الحياة وقيام المجتمعات وبناء الحضارات.
فالمنهج الصحيح في تعديل السلوك؛ هو المنهج الذي يعتني بهذه الحاجات المادية ، فيحفظها ويعلي شأنها ويسعى لتنميتها . كما هو منهج الإسلام في تلبية الحاجات الجسدية . ولكن وفق قيمة الوسطيَّة التي أشارت إليها السورة في قوله تعالى : ({وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا } [الإسراء : 29].
وقد كان هدي المصطفى عليه الصلاة العناية بالجسد فكان يعتني بصحة جسده وطهارته وجماله وإشباع حاجاته الفطرية ، فعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله -: «حُبِّبَ إِليَّ : الطِّيبُ ، والنساء ، وجُعِل قُرَّةُ عَيْني في الصلاة».أَخرجه النسائي. وقال  : (وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجرٌ قال أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه وزرٌ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ. )
هذا.. ونستكمل في اللقاء القادم خصائص الجسد المادية وعلاقة ذلك كله بتهذيب السلوك.
د.وفاء الزعاقي.
17/3/1432هـ
وفاء الزعاقي غير حاضر حالياً   رد مع اقتباس
قديم 1432-3-17, 07:20 مساء   #2
شذا المسند
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركات: 146
المستوى: خرِّيجة
الفرع: الواحة
افتراضي

.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وفاء الزعاقي مشاهدة المشاركة

إلا إن المعضلة الكبرى تكمن في منهج إصلاح الإنسان وتهذيب طبعه والارتقاء بسلوكه ففي ذلك قدمت النظريات الفلسفية، وتعددت المدارس النفسية ، وتنوعت المناهج التربوية على مدار تاريخ الإنسان.. ولكن كل هذه الجهود وإن كانت لا تخلو من خير لكنها تفتقر إلى الشمولية والتوازن والثبات والموضوعية في جميع حياة الإنسان وحاجاته المادية والمعنوية. ومن هنا كانت رحمة الله تعالى بعباده أن أنزل عليهم القرآن الكريم كتاب هداية ورشاد، فقد تضمن المنهج الوسطي بين سائر المناهج السماوية والأرضية لإصلاح سلوك الإنسان فكان أعظم مقصد للقرآن صلاح الإنسان في أحواله كلها الشخصية والاجتماعية والعالمية بل والكونية.
صدقتِ ..


بانتظار عودتك أيتها الفاضلة على أحر من الجمر ..


شكر الله لكِ ..


.

التوقيع


واهًا لريح الجنّة !!

شذا المسند غير حاضر حالياً   رد مع اقتباس
قديم 1432-3-17, 07:56 مساء   #3
نورة العنزي
الحمد لله كثيرًا
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 228
المستوى: خرِّيجة
الفرع: الربوة
افتراضي

اقتباس:
فالمنهج الصحيح في تعديل السلوك؛ هو المنهج الذي يعتني بهذه الحاجات المادية ، فيحفظها ويعلي شأنها ويسعى لتنميتها . كما هو منهج الإسلام في تلبية الحاجات الجسدية . ولكن وفق قيمة الوسطيَّة التي أشارت إليها السورة في قوله تعالى : ({وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا } [الإسراء : 29].
حقًّا فالمنهج الصحيح هو الذي جاء به القرآنُ والسنةُ، ولا يزيغ عنهما إلا هالك.
بارك الله في علمك د. وفاء، وننتظر البقية.
نورة العنزي غير حاضر حالياً   رد مع اقتباس
قديم 1432-3-18, 11:50 مساء   #4
وفاء الزعاقي
مُشْرِفَةٌ عِلْمِيَّةٌ
 
تاريخ التسجيل: Feb 2011
المشاركات: 25
المستوى: آخر
الفرع: آخر
افتراضي

أما الصفة الثانية للطين و التي نستكمل بها حديثنا فهي صفة الشدة واللصوق والثقل .
قال تعالى في صفة الطين الذي خلق منه بني آدم : {إنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ } [الصافات : 11] واللازب هو الثابت الشديد الثبوت .وقيل: اللاصق .وقيل: هو الطين الحر اللازق.
قال البقاعي: ( هذا ما ذكره في خلقهم من الطين اللازب الذي من شأنه الرسوب والسفول لثقله..) (نظم الدرر ،16/201)
وهذه الصفات في الطين انعكست على الإنسان فكان من سماته وخصائصه المميزة له، التصاقه بالأرض وحبه لها لأنها أمه وأصل منشأه ، وهذا الالتصاق تولد عنه حرصه على عمارة الأرض ، كما نتج عنه حب الشهوات المادية، واللذات الحسية. كما قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } [آل عمران : 14]
والحقيقة إنه لا يمكن إنكار دور هذا التعلق بالشهوات في دفع مسيرة الإنسان في حياته، وصبره على مكابدة مشاق الطريق، والسعي الحثيث على توفير أفضل فرص العيش الممكنة، التي تمخضت عن مشاريع التنمية لجميع أنظمة المجتمع فكانت تمضي قدما نحو التطور والازدهار والتنافس الحثيث.
ولذا فإن الوسطيَّة في إصلاح السلوك الإقرار بهذا التعلق وعدم ذم الإنسان على هذه الطبيعة التي جبله الله تعالى عليها، مع الوعي بحقيقة الماديات وأنها لا تتجاوز أن تكون (متاع) والمتاع هو كل ما ينتفع به على وجه ما مدة معينة. فيأخذ منها المرء ما يحقق له الحياة الكريمة بصفته عبد مكرم مكلف، دون أن تكون هدفا وغاية في ذاتها.. وبذا يرتقي الفكر عن مستوى المادة، ويترفع عن النظرة الأرضية المحدودة بالزمان والمكان. فالفكر المادي يمنع صاحبه من التصديق بما وراء الحس، فيرفض القيم الصحيح والمعاني العظيمة والغيبيات القاطعة. وهذا ما يجعل كثير من الناس ينكرون ما جاء به الأنبياء، ويعرضون عن التجاوب مع نداءات المصلحين كما قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ } [التوبة : 38] وقال تعالى : {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)} [الأعراف ]
قال الإمام الطبري: (يقول تعالى ذكره: ولو شئنا لرفعنا هذا الذي آتيناه آياتنا بآياتنا التي آتينه( ولكنه أخلد إلى الأرض) ومال إليها ، وآثر لذاتها وشهواتها على الآخرة ، ورفض طاعة الله وخالف أمره .) (جامع البيان، 6/123)
ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة أنك أنت الرهاب.
وإلى اللقاء في القادم إن شاء الله تعالى
د. وفاء الزعاقي
18/3/1432هـ
وفاء الزعاقي غير حاضر حالياً   رد مع اقتباس
قديم 1432-3-19, 09:26 مساء   #5
أمَل
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركات: 271
المستوى: خرِّيجة
الفرع: الواحة
افتراضي

مبحثٌ شائق وجدير بالتأمل زادكِ اللهُ من فضله ..
فعلاً نحتاج لتطبيق آيات الوسطية في كل شيء ،
والحمدلله الذي وفقك لاختيار السلوك الإنساني

فزيدينا بوركتِ .



اقتباس:
قال الإمام الطبري: (يقول تعالى ذكره: ولو شئنا لرفعنا هذا الذي آتيناه آياتنا بآياتنا التي آتينه( ولكنه أخلد إلى الأرض) ومال إليها ، وآثر لذاتها وشهواتها على الآخرة ، ورفض طاعة الله وخالف أمره .) (جامع البيان، 6/123)
ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة أنك أنت الرهاب.
اللهم آمييين .
أمَل غير حاضر حالياً   رد مع اقتباس
قديم 1432-3-21, 09:59 مساء   #6
المُنَى
...
 
تاريخ التسجيل: May 2010
المشاركات: 312
المستوى: مستوى الإقراء
الفرع: الواحة
افتراضي

موضوعٌ جميلٌ وماتعٌ.

حقيقة نحتاجُ مثلَ هذه المباحثِ التي تبيّن وسطيةَ هذه الأمةِ من خلالِ النظرِ فيما جاء به القرآنُ وجاءت به السنةُ، ففيهما دلائلُ شاهدةٌ على وسطيةِ الإسلامِ في السلوكِ والتشريعِ والعباداتِ.

باركَ اللهُ فيكِ د. وفاء.

اقتباس:
ولذا فإن الوسطيَّة في إصلاح السلوك الإقرار بهذا التعلق وعدم ذم الإنسان على هذه الطبيعة التي جبله الله تعالى عليها، مع الوعي بحقيقة الماديات وأنها لا تتجاوز أن تكون (متاع) والمتاع هو كل ما ينتفع به على وجه ما مدة معينة.
إقرارُ هذا التعلقِ وضبطُه.

ننتظرُ البقيةَ، نحن متابعاتٌ.

التوقيع

يَا دَوْحَةً .. بِظِلالِهَا أَتَفَيَّأُ
بَلْ مَعْقِلاً آوِي إِلَيْهِ وَأَلْجَأُ

المُنَى غير حاضر حالياً   رد مع اقتباس
قديم 1432-3-28, 10:16 مساء   #7
وفاء الزعاقي
مُشْرِفَةٌ عِلْمِيَّةٌ
 
تاريخ التسجيل: Feb 2011
المشاركات: 25
المستوى: آخر
الفرع: آخر
افتراضي

أما الصفة الثالثة من صفات الطين فهي الظلمة والكثافة.
إن الظلمة والكثافة خاصية من خصائص الطين اللازمة له، التي لا تنفك عنه . قال أبو حيان : (الطين مظلم كثيف يابس بعيد عن مجاورة السموات، والطين ببردة ويبسه مجاور للموت) (البحر المحيط/4/273).
والصفة الرابعة من صفات الطين صفة الضعف والليونة والقابلية للتشكل، بحيث يصنع منه أشياء متباينة كما قال تعالى : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا } [القصص : 38] وقال تعالى في قصة عيسى عليه السلام :{أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ } [آل عمران : 49].
ولذا فإن جسد الإنسان يتصف بالضعف والقابلية للتشكل والتغير سواء في مراحل عمره المختلفة، أو في أصل خلقته، أو فيما يحدثه الإنسان بتغير في شكله.
وبوقفة تأملية مع صفات الطين المتقدمة يمكننا أن نستخلص بعض مظاهر الوسطيَّة في إصلاح السلوك الإنساني كما يلي:
1.الحذر من احتقار المتطلبات الجسدية بل يجب الإقرار بضرورة إشباعها ولكن وفق شريعة الله تعالى التي جاءت من أجل إقامة الحق ونشر العدل.
2.ترك المبالغة في ذم الذات الإنسانية والإزراء عليها عند ارتكاب المعصية حتى لا يقع الإنسان في باب القنوط الذي يفضي به إلى عدم الاستمرار في طريق الاستقامة. فخصائص الجسد يستحيل بترها أو إلغاء أثرها ولكن التكيف مع تلك الخصائص بما لا يجعلها سببا للضلال والانحراف.
3.العلم بأن ارتقاء السلوك لا يكون إلا بجعل الجسد خاضعا وتابعا وليس متبوعا .. بمعنى أن لا يكون السلوك يصدر من أجل إشباع حاجات الجسد فقط فالإشباع لا بد أن يكون مقصوداً لغيره، وليس مقصوداً لذاته . فالذي يأكل أو يشرب أو يتزوج أو يمارس أي غريزة من الغرائز المادية إنما يقصد هدفا فوق بقاء نوعه وهو التزود بالتقوى والقرب من المولى عز وجل.
4.إن جسد الإنسان مطية يسهل توجيهها وضبطها بحسب إرادة صاحبها وتعويده لها. فالغرائز رغم أنها محتوى الجسد وعليها يقوم إلا إنها تتحرك وفق عادات صاحبها معها، وتربيته لها. وهذا ما يؤكد على أن السلوك يحتاج أن يصدر عن قيم إيمانية عليا ليوجه تلك الغرائز المادية التوجيه الصحيح.
وبهذا نختم حديثنا عن الجانب الأول من جوانب خلق الإنسان لننتقل بمشيئة الله تعالى إلى الجانب الثاني كما بينته سورة الإسراء.
د. وفاء الزعاقي
28/3/1432هـ
وفاء الزعاقي غير حاضر حالياً   رد مع اقتباس
قديم 1432-3-29, 12:43 مساء   #8
نورة العنزي
الحمد لله كثيرًا
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 228
المستوى: خرِّيجة
الفرع: الربوة
افتراضي

اقتباس:
العلم بأن ارتقاء السلوك لا يكون إلا بجعل الجسد خاضعا وتابعا وليس متبوعا .. بمعنى أن لا يكون السلوك يصدر من أجل إشباع حاجات الجسد فقط فالإشباع لا بد أن يكون مقصوداً لغيره، وليس مقصوداً لذاته .
صحيح، جعل الله لنا هذه النعم لنقيم الغاية العظمى؛ لا أن نجعلها هي المقصد الأسمى فننشغل بها عمّا أراد الله.
موضوعٌ نااافعٌ جدًا، وأمورٌ ينبغي تأملُها ومراعاتُها.
نورة العنزي غير حاضر حالياً   رد مع اقتباس
قديم 1432-4-24, 07:22 صباحاً   #9
د/ عيسى الدريبي
مستشارُ الملتقى
 
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركات: 31
المستوى: أعضاء هيئة التدريس
الفرع: آخر
افتراضي

نظرات دقيقة وتأملات عميقة في موضوع هام ،لبيان نظرة الاسلام لهذا الموضوع من خلال القرآن،

وفي انتظار الجانب الثاني د/وفاء؟ بارك الله قلمك

التوقيع

essaduraibi@hotmail.com

د/ عيسى الدريبي غير حاضر حالياً   رد مع اقتباس
قديم 1432-5-10, 02:45 صباحاً   #10
وفاء الزعاقي
مُشْرِفَةٌ عِلْمِيَّةٌ
 
تاريخ التسجيل: Feb 2011
المشاركات: 25
المستوى: آخر
الفرع: آخر
افتراضي

أما الجانب الثاني من جوانب خلق الإنسان فهو جانب الروح. وهو جانب خفي مجهول لا تُعرف حقيقته رغم أنه سبب حياة الإنسان ولذا قال تعالى عنه في سورة الإسراء لما سأل عليه الصلاة والسلام عنه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)} والروح من الألفاظ المشتركة التي تطلق على عدة معاني في القرآن الكريم. وقد جاء عن المفسرين في المراد بالروح عدة أقوال نكتفي بواحد منها وهو أن المراد به أرواح بني آدم. والروح تسمى النفس لقوله عليه الصلاة والسلام ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي قُبُلٍ مِنَ الآخِرَةِ وَانْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا جَاءَهُ مَلَكٌ فَجَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ : اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ الله وَرِضْوَانٍ فَتَخْرُجَ نَفْسُهُ وَتَسِيلَ كَمَا يَسِيلُ قَطْرُ السِّقَاءِ - قَالَ عَمْروٌ فِي حَدِيثِهِ ، وَلَمْ يَقُلْهُ أَبُو عُوَانَةَ : وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ غَيْرَ ذَلِكَ - وَتَنْزِلُ مَلاَئِكَةٌ مِنَ الْجَنَّةِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ مَعَهُمْ أَكْفَانٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ ، وَحَنُوظٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ، فَإِذَا قَبَضَهَا الْمَلَكُ لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} قَالَ : فَتَخْرُجَ نَفْسُهُ كَأَطْيَبِ رِيحٍ وُجِدَتْ ، فَتَعْرُجَ بِهِ الْمَلاَئِكَةُ فَلاَ يَأْتُونَ عَلَى جُنْدٍ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ قَالُوا : مَا هَذَا الرُوحُ ؟! فَيُقَالُ : فُلاَنٌ - بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ - حَتَّى يَنْتَهُوا بِهِ إلَى أبوابَ سَمَاءِ الدُّنْيَا ..) الحديث. والشاهد منه أنه عليه الصلاة والسلام سمى الروح نفسا. وللنفس ثلاثة أحوال _كما هو معلوم_ نفس أمارة بالسوء تأمر صاحبها بما تهواه من الغي واتباع الباطل، ونفس لوامة على فعل الشر إذا كانت صالحة، أو نفس تلوم على فعل الخير والتقصير في الشر إذا كانت منحرفة ضالة، ونفس مطمئنة وهي التي اطمأنت لخالقها، وأخلصت له العبادة.
وحين نعود لسياق آية الروح في سورة الإسراء نجد أن الله تعالى قال : {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (84) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) } قال البيضاوي: (قل كل أحد يعمل على طريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلال، أو جوهر روحه وأحواله التابعة لمزاج بدنه) (أنوار التنزيل/382). فهناك توافق كبير بين الجسد والروح، وكل منهما يؤثر في الآخر ويتأثر به.
وهكذا نجد النظرة الشمولية في سورة الإسراء عند معالجة سلوك الإنسان من حيث الحديث عن طبيعة خلق الإنسان وخصائص ذلك الخلق المميزة له حتى يتبين للمسلم كيف يتعامل مع ذاته، ويحقق الانسجام والتكيف مع طبيعته بما يحقق له الوسطية والاعتدال في سلوكه.
على أن وسطيَّة تربية الروح لها عدد من القواعد تساعد الإنسان الذي يأخذ بها_ بعد توفيق الله تعالى_ أن يحقق التوازن والشمولية في حياته، بما يعود عليه بالخير والبركة .. وهذا ما سوف نبينه في اللقاء القادم بمشيئة الله تعالى.
8/5/1432ه
وفاء الزعاقي غير حاضر حالياً   رد مع اقتباس
قديم 1432-5-10, 09:33 صباحاً   #11
نورة العنزي
الحمد لله كثيرًا
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 228
المستوى: خرِّيجة
الفرع: الربوة
افتراضي

جزيتِ خيرًا أستاذة وفاء.
وفي انتظار الحديث عن تلك القواعد.
نورة العنزي غير حاضر حالياً   رد مع اقتباس
قديم 1432-5-11, 12:17 مساء   #12
وفاء الزعاقي
مُشْرِفَةٌ عِلْمِيَّةٌ
 
تاريخ التسجيل: Feb 2011
المشاركات: 25
المستوى: آخر
الفرع: آخر
افتراضي

هناك ثلاث قواعد تضبط الروح وتساعدها على السمو والارتقاء ، دون أن تحرفها عن طريق الوسطية والاعتدال وهي :
الضابط الأول: ضابط ميل الروح إلى التشدد. تميل بعض النفوس إلى التشدد في تدينها، ظنا منها أنه من قوة اليقين ، وكمال الورع وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن التشدد المتنافي مع قاعدة يسر الشريعة وسماحتها لأنه يفضي إلى الغلو في التدين، وفي ذلك تضيع للمصلحة الدينية التي جاء الدين لتحصيلها وتكميلها. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ ) . قال ابن حجر : (وَالْمُشَادَّة بِالتَّشْدِيدِ الْمُغَالَبَة .. , وَالْمَعْنَى لَا يَتَعَمَّق أَحَد فِي الْأَعْمَال الدِّينِيَّة وَيَتْرُك الرِّفْق إِلَّا عَجَزَ وَانْقَطَعَ فَيُغْلَب . قَالَ اِبْن الْمُنِير : فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة , فَقَدْ رَأَيْنَا وَرَأَى النَّاس قَبْلنَا أَنَّ كُلّ مُتَنَطِّع فِي الدِّين يَنْقَطِع , وَلَيْسَ الْمُرَاد مَنْع طَلَب الْأَكْمَل فِي الْعِبَادَة فَإِنَّهُ مِنْ الْأُمُور الْمَحْمُودَة, بَلْ مَنْع الْإِفْرَاط الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَلَال , أَوْ الْمُبَالَغَة فِي التَّطَوُّع الْمُفْضِي إِلَى تَرْك الْأَفْضَل, أَوْ إِخْرَاج الْفَرْض عَنْ وَقْته كَمَنْ بَاتَ يُصَلِّي اللَّيْل كُلّه وَيُغَالِب النَّوْم إِلَى أَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فِي آخِر اللَّيْل فَنَامَ عَنْ صَلَاة الصُّبْح فِي الْجَمَاعَة, ..وَفِي حَدِيث مِحْجَن بْن الْأَدْرَع عِنْد أَحْمَد " إِنَّكُمْ لَنْ تَنَالُوا هَذَا الْأَمْر بِالْمُغَالَبَةِ, وَخَيْر دِينكُمْ الْيَسَرَة " وَقَدْ يُسْتَفَاد مِنْ هَذَا الْإِشَارَة إِلَى الْأَخْذ بِالرُّخْصَةِ الشَّرْعِيَّة, فَإِنَّ الْأَخْذ بِالْعَزِيمَةِ فِي مَوْضِع الرُّخْصَة تَنَطُّع, كَمَنْ يَتْرُك التَّيَمُّم عِنْد الْعَجْز عَنْ اِسْتِعْمَال الْمَاء فَيُفْضِي بِهِ اِسْتِعْمَاله إِلَى حُصُول الضَّرَر.) فتح الباري ( 1/ 117).
الضابط الثاني: ضابط ميل الروح إلى التفريط والجفاء: لقد بين النبي صلى الله عليه وسلم قيمة العمل بالمداومة عليه وعدم الانقطاع عنه، وليست قيمته في كثرته ثم الانقطاع عنه، فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. فعن عائشة رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ. وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ.) (رواه البخاري) فوسطيَّة تربيته صلى الله عليه وسلم وتعليمه راعت المصلحة الدينية، كما راعت اليسر والسماحة في التكليف بالعمل ولما كانت الغاية الثبات على الوسطية بترك التفريط في القيام بالعمل جعل صلى الله عليه وسلم قيمة العمل بعدم التقصير فيه والثبات عليه، ولضمان ذلك جعل المداومة على العمل القليل اليسير على النفس والتقيد به هو علة حصول العبد على محبة الله ورضاه وهذا من تمام حكمته ورحمته بأمته صلى الله عليه وسلم.
الضابط الثالث:ضابط ثبات الروح على منهج الاستقامة وهو المنهج الوسط بين المنهجين السابقين ، وهو منهج اليسر والسماحة، ولذا بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلكه ببلوغ غايته والفوز والفلاح ، كما بين الوسيلة التي لابد أن يتخذها العبد للمضي على هذا الطريق بإتباعه والتأسي به صلى الله عليه وسلم . فعَنْ أَبِي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ. سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَشَيْءٌ مِنْ الدُّلْجَةِ وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا.) والقصد: أي ألزموا الطريق الوسط المعتدل. فربط النجاة برحمة الله تقيد للعبد في أن لا يسلك إلا الطريق الذي تنال به رحمة الله تعالى، وهو الطريق على الذي شرعه في كتابه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.
وقال ابن حجر : (قَوْله : ( فَسَدِّدُوا ) أَيْ : اِلْزَمُوا السَّدَاد وَهُوَ الصَّوَاب مِنْ غَيْر إِفْرَاط وَلَا تَفْرِيط , قَالَ أَهْل اللُّغَة: السَّدَاد التَّوَسُّط فِي الْعَمَل. قَوْله : (وَقَارِبُوا) أَيْ : إِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا الْأَخْذ بِالْأَكْمَلِ فَاعْمَلُوا بِمَا يُقَرِّب مِنْهُ. قَوْله : ( وَأَبْشِرُوا ) أَيْ: بِالثَّوَابِ عَلَى الْعَمَل الدَّائِم وَإِنْ قَلَّ, وَالْمُرَاد تَبْشِير مَنْ عَجَزَ عَنْ الْعَمَل بِالْأَكْمَلِ بِأَنَّ الْعَجْز إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ صَنِيعه لَا يَسْتَلْزِم نَقْص أَجْره, وَأَبْهَمَ الْمُبَشَّر بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَتَفْخِيمًا. قَوْله : (وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ ) أَيْ: اِسْتَعِينُوا عَلَى مُدَاوَمَة الْعِبَادَة بِإِيقَاعِهَا فِي الْأَوْقَات الْمُنَشِّطَة. وَالْغَدْوَة بِالْفَتْحِ سَيْر أَوَّل النَّهَار, وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ: مَا بَيْن صَلَاة الْغَدَاة وَطُلُوع الشَّمْس. وَالرَّوْحَة بِالْفَتْحِ السَّيْر بَعْد الزَّوَال. وَالدُّلْجَة بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْحه وَإِسْكَان اللَّام سَيْر آخِر اللَّيْل, وَقِيلَ سَيْر اللَّيْل كُلّه, وَلِهَذَا عَبَّرَ فِيهِ بِالتَّبْعِيضِ; وَلِأَنَّ عَمَل اللَّيْل أَشَقّ مِنْ عَمَل النَّهَار. وَهَذِهِ الْأَوْقَات أَطْيَب أَوْقَات الْمُسَافِر, وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاطَبَ مُسَافِرًا إِلَى مَقْصِد فَنَبَّهَهُ عَلَى أَوْقَات نَشَاطه; لِأَنَّ الْمُسَافِر إِذَا سَافَرَ اللَّيْل وَالنَّهَار جَمِيعًا عَجَزَ وَانْقَطَعَ , وَإِذَا تَحَرَّى السَّيْر فِي هَذِهِ الْأَوْقَات الْمُنَشِّطَة أَمْكَنَتْهُ الْمُدَاوَمَة مِنْ غَيْر مَشَقَّة. وَحُسْن هَذِهِ الِاسْتِعَارَة أَنَّ الدُّنْيَا فِي الْحَقِيقَة دَار نُقْلَة إِلَى الْآخِرَة, وَأَنَّ هَذِهِ الْأَوْقَات بِخُصُوصِهَا أَرْوَح مَا يَكُون فِيهَا الْبَدَن لِلْعِبَادَةِ. وَقَوْله فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب " الْقَصْد الْقَصْد " بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى الْإِغْرَاء , وَالْقَصْد الْأَخْذ بِالْأَمْرِ الْأَوْسَط) فتح الباري ( 1/ 117).
وقال ابن القيم: (والفرق بين الاقتصاد والتقصير أن الاقتصاد هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وله طرفان هما ضدان له: تقصير ومجاوزة، فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل عن الطرفين..ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وكذلك الاجتهاد بذل الجهد في موافقة الأمر، وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان فإما إلى غلو ومجاوزة وإما إلى تفريط وتقصير، وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول الله وترك أقوال الناس وآرائهم لما جاء به لا من ترك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم، وهذان المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم..... وقد يجتمع في الشخص ..يكون مقصرا مفرطا في بعض دينه غاليا متجاوزا في بعضه.). (تهذيب مدارج السالكين /332)
د. وفاء الزعاقي 10/5/1432هـ
وفاء الزعاقي غير حاضر حالياً   رد مع اقتباس
قديم 1432-7-6, 10:54 مساء   #13
وفاء الزعاقي
مُشْرِفَةٌ عِلْمِيَّةٌ
 
تاريخ التسجيل: Feb 2011
المشاركات: 25
المستوى: آخر
الفرع: آخر
افتراضي

بعد أن استعرضنا بيان الضوابط التي بها يتحقق للإنسان الوسطية في تربية نفسه . نستعرض الضوابط التي بها يتحقق للإنسان الوسطية في حياته عند إشباع حاجات جسده .فالجسد هو الجانب المادي المشاهد في طبيعة خلق الإنسان. وقد استعرضنا فيما سبق خصائصه ، ولاشك أن الاعتدال في التعامل مع حاجات الجسد مطلب مهم لتحقيق الوسطية في حياتنا وهناك أربع ضوابط لابد من استحضارها عند تربية النفس على منهج الوسطيَّة والاعتدال وهي كما يلي:
الضابط الأول : ضابط تحقق مصالح الجسد الدنيوية بحفظه وبقائه وإشباع غرائزه الفطرية.
اعتنى الإسلام بإشباع الغرائز، وتلبية الحاجات الفطرية والتي من شأنها البقاء على الجسد قويا سليما قادرا على القيام بتكاليف العبادة. فأمر رسول الله  بأشباع جميع حاجات الجسد ، ونهى عن منعها من حقوقها الطبيعة، فقَالَ النَّبِيُّ : (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ :كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ . كما شرع الزواج، ونهى عن التبتل والانقطاع والرهبانية التي وقع فيها النصارى حتى لا يقع العبد في الغلو، وجعل قضاء الوطر بصورة مشروعة صدقة وقربة يتقرب العبد فيها لربه، وحرم بعض أنواع النكاح التي توقع الإنسان في أسر الشهوة البهيمية، كما أباح التعدد ولكن قيده. فعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ قَالُوا لِلنَّبِيِّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ. قَالَ: ( أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً ،وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ.) قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟! قَالَ : (أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا) .
إن إشباع الغرائز بالطريقة الشرعية، والتزام الأدب النبوي في ذلك ، من شأنه أن يجعل النفس متعففة عن النظر إلى الحرام، بعيدة عن أسر الشهوة الداعية للانحراف عن الطريق المستقيم. فإن أكثر ما يوقع الناس في التفريط والتقصير داعي الهوى والشهوة إذا لم تشبع بالطرق الشرعية الصحيحة.
الضابط الثاني : ضابط درء المفاسد عنه المؤدية إلى هلاكه و إضعاف قوته.
اعتنى عليه الصلاة والسلام بتربية الجسد والحفاظ عليه من كل ما يؤذيه، فجاء بآداب تحفظ للجسد صحته كآداب الأكل والشرب والنوم وغيرها بصورة لم تعرف في أي مناهج تربوية أخرى، فنهى عن الشرب قائما، وعن النفخ في الشراب، ونهى عن الشرب دفعة واحدة، وشرع التسمية ، ونهى عن الاتكاء عند الأكل، وحث على لعق الأصابع بعد الأكل، كما أمر بنفض الفراش قبل النوم، وغسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم ، وغيرها من الآداب الواردة والباب فيها واسع.. ومن ذلك عنايته بالطب الوقائي والعلاجي للجسد، فكان يقول : ( إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالْأُخْرَى شِفَاءً).وقال: (الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِي عَنْ الْكَيِّ). وعن أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ  أَنَّهُ قَالَ: ( إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا). بل أقر الطب النفسي أو الروحي فشرع الرقية الشرعية وعمل بها.فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ  أَوْ أَمَرَ أَنْ يُسْتَرْقَى مِنْ الْعَيْنِ. و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: (الْعَيْنُ حَقٌّ). وكَانَ يَقُولُ في رقيه لِلْمَرِيضِ: (بِسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا يُشْفَى سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا ). إن اتباع المنهج النبوي في العناية بصحة الجسد، وما ورد عنه من آداب تتعلق بذلك هي أكبر معين لمواجهة تحديات العصر الصحية، فكثرت الأمراض وانتشارها واختلاف أسبابها سبب في القضاء على كثير من الناس، فالأعجاز الطبي في السنة النبوية دليل على علو منهجه في الحفاظ على سلامة الإنسان من تلك المهددات الصحية.
الضابط الثالث: ضابط تحقق مصالح الجسد الدينية من غير مشقة ولا عنت تفضي إلى الغلو أو الملل.
اعتنى رسول الله  بتنشئة الجسد في طاعة الله تعالى، ولكنه ضبط ذلك بضابط اليسر ورفع الحرج والمشقة عنه، فكان يأمر بأن لا يقوم المسلم بعمل من الأعمال إلا وهو قادر على القيام به، فقال : ( إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ) مَرَّتَيْنِ قِيلَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ .قَالَ : (إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ فَاكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ).أي : خُذُوا وَتَحَمَّلُوا. ولذا كان  يغضب ممن لا يتقيد بهذا الضابط، فعن أَبَي هُرَيْرَةَ  قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ( وَأَيُّكُمْ مِثْلِي إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ) فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ، فَقَالَ: ( لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ ). كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا).
و عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ  فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ. فَقَالَ: ( مَا هَذَا الْحَبْلُ ؟) قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ. فَقَالَ النَّبِيُّ : (لَا . حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ). لذلك حرص أن يبين منهجه الوسطي في التعبد، القائم على اليسر والرفق بالنفس، فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ  قال: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ  يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ  ،فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا. فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ  قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ  إِلَيْهِمْ فَقَالَ: ( أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ. لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ،فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي.).وكان يراعي مصالح الناس عند أداء العبادة، ويلتزم منهج التوسط في مراعاة اليسر وترك العنت. فعن عَطَاءٌ قَالَ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ  بِالْعِشَاءِ فَخَرَجَ عُمَرُ فَقَالَ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ يَقُولُ: ( لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي _أَوْ عَلَى النَّاسِ _... لَأَمَرْتُهُمْ بِالصَّلَاةِ هَذِهِ السَّاعَةَ ) فالمشقة إما أن تفضي بالعبد إلى الملل فيترك العمل، أو لا يؤديه بالصورة الصحيحة، أو تفضي بالإنسان إلى الغلو في الدين والخروج عن منهج الوسطية والوقوع في البدعة وتأويل النصوص تأويلا باطلاً. أما اليسر والسماحة فإنها تجعل المُتربي يأخذ الأمور بالتدرج، فيرتقي في سلم العمل خطوة خطوة حتى يصل إلى درجة إتقان العمل والمهارة في أدائه، والقدرة على تعليمه .
الضابط الرابع : ضابط العناية بجماله و طهارته من غير إفراط أو تفريط.
اعتنى بالقيم الجمالية للجسد، وربى أمته على العناية بالتجمل والتزين والتطهر فكان من هديه  الإدهان والكحل والتطيب ولباس الثياب الحسنة، وكان يقول: (عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ _ قَالَ زَكَرِيَّاءُ: قَالَ مُصْعَبٌ :وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ_ الْمَضْمَضَةَ ) وأكد على طهارة الجسد ونظافته فشرع الوضوء والاغتسال، وأكد على فضله وعظم أجره، وحذر من التقصير فيه. قال البخاري : (بَاب مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ( إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَبَيَّنَ النَّبِيُّ أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَه ) .لأن الزيادة في الوضوء خروج عن منهج الاعتدال والوسطية ، والوقوع في الإفراط والغلو. كما أن انتقاص الوضوء عن ما شرعه  خروج عن الوسطية إلى التقصير والتفريط فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: ( وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا .) قال ابن حجر والعقب مؤخر القدم. قال البغوي: معناه ويل لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها.)
وكان يأمر بالتطهير وعدم إتيان المسجد إلا برائحة طيبة فعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالْعَوَالِيِّ، فَيَأْتُونَ فِي الْغُبَارِ يُصِيبُهُمْ الْغُبَارُ وَالْعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمْ الْعَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ  إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ  : (لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا)
ولم يكتف بالعناية بجسد الإنسان في حياته بل حتى بعد مماته، فشرع تغسيل الميت وتطيبه وتكفينه والصلاة عليه وحمله حتى يوضع في قبره، مع احترامه واحترام أهل القبور دون غلو أو تقديس ، ودون إهانة لها بنبش أو جلوس عليها لما فيه من إيذاء لأهلها . عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ قَالَ: قَالَ : (لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا.) .
ومع عنايته بالزينة والتجمل فقد وضع ضوابط لتلك العناية بحيث لا يتجاوز المسلم في زينته الحدود المحرمة، قال البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ): وَقَالَ النَّبِيُّ : (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ :كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ) . فالإسراف انحراف عن منهج الاعتدال في الجانب المادي، والمخيلة انحراف عن منهج الاعتدال في الجانب المعنوي والأخلاقي.وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ) قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ. ) وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ ... _وفيه أنه قال_: وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ) ، و عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ . وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ وَقَالَ: ( لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ.) فالعناية بالجسد كانت تتفاوت بين الوجوب والاستحباب والإباحة والتحريم .. وكل ذلك مفصل ومبين في كلام الفقهاء.
ومع هذه العناية الشديدة منه عليه الصلاة والسلام بإشباع حاجات الروح والجسد إلا إنه كان يضع المعيار الدقيق في ذلك وهو معيار الاقتصاد وترك المشقة والغلو في التطبيق عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا) .وهم الْمُتَعَمِّقُونَ الْغَالُونَ الْمُجَاوِزُونَ الْحُدُود فِي أَقْوَالهمْ وَأَفْعَالهمْ .
إن تحقيق الانسجام بين الروح والجسد، وتكريم كلا منهما، وتقدير احتياجاتهما، هو المنهج الصحيح في تحقيق التوازن والاستقرار والأمن النفسي. أما المناهج الوضعية فقد تطرفت في التعامل مع طبيعة الإنسان؛ فالفلسفة المثالية أقرت بثنائية الطبيعة الإنسانية، لكنها غلت في الروح ، وقصرت في حق الجسد. فقسمت العالم إلى عالم المثال وهو عالم الروح وعالم الواقع وهو عالم الجسد، وجعلت الروح أعلى من الجسد وبها يصل الإنسان إلى حقيقة الخير والجمال ولكن بعد أن يقضي على رغبات الجسد. أما الفلسفة البرجماتية فنظرة للطبيعة الإنسانية على إنها مرنة وطيعة والهدف الأساسي للتربية عندهم تنمية الذكاء لأنه أداة التقدم، والعقل يساعدهم في فهم العالم الخارجي، والعالم عندهم نسبي ومستحيل على الإنسان أن يصل إلى حقيقة ثابتة .
إن هذه الفلسفات كلها لا تملك إشباع حاجات الطبيعة الإنسانية، ولا الإجابة على تساؤلاتها، ولا الغوص في أعماقها، وملامسة مشاعرها اللطيفة، لذلك هي لا تزيد أتباعها إلا تطرفا وانحرفا، وتيها وضلالاً. ويدل على هذا المخرجات التربوية للمنهج النبوي والمخرجات التربوية للمناهج الوضعية شرقيها وغربيها. إن عقد مقارنة بين صحابة رسول الله  ومن سار على هديهم ،وبين مخرجات تلك النظريات الوضعية وأثر كل منهما على نهضت مجتمعاتها يجد بينيَّة منهجه  بين المناهج الوضعية المختلفة.
وفاء الزعاقي غير حاضر حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:00 صباحاً.


Powered by vBulletin® Copyright ©2009 -2010
 

دوح البيان